محمد حسين علي الصغير
48
أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم
وما لم يحقق المجاز مزية فلا يعدل إليه عن الحقيقة . ولعل ابن الأثير ( ت : 637 ه ) يقرر هذا بقوله : « واعلم أنه إذا ورد عليك كلام يجوز أن يحمل معناه على طريق الحقيقة وعلى طريق المجاز باختلاف لفظه ، فانظر : فإن كان لا مزية لمعناه في حمله على طريق المجاز فلا ينبغي أن يحمل إلا على طريق الحقيقة لأنها هي الأصل ، والمجاز هو الفرع ، ولا يعدل عن الأصل إلى الفرع إلا لفائدة » « 1 » . وكنا قد قررنا في بحث سابق أنه : إنما يعدل إلى المجاز إذا كان فيه زيادة في الفائدة ، واستيعاب للمعنى الحقيقي بإضافة معنى جديد ينتقل إليه ذهن السامع ، وهذا الانتقال بذهن السامع ذو قيمة فنية في شمولية اللفظ العربي ومرونة استعماله ، وعلى هذا فالمجاز حدث لغوي يفسر لنا تطور اللغة بتطور دلالة ألفاظها على المعاني الجديدة ، والمعاني الجديدة في عملية ابتداعها لا يمكن إدراك حقائقها إلا بالتعبير عنها ، والتصوير اللفظي لها ، والمجاز خير وسيلة للتعبير عن ذلك بما يضيفه من قرائن ، وما يضفيه من علاقات لغوية جديدة توازن بين المعاني والألفاظ في الشكل والمضمون « 2 » . وعلى هذا فالاستعارة والتمثيل والتشبيه إنما تتحقق بالمجاز ، ولا يتحقق هذا في الكلام الموضوع بموقعه من الأصل اللغوي ، فلا استعارة ولا تشبيه ولا تمثيل ولا تجوز في الاستعمال الحقيقي ، لذلك كان الاستعمال المجازي غنيا بطاقات وإمدادات بيانية ، تجدد معالم اللغة ، وتلون أفكار الألفاظ ، وتحرر جمود المعاني ، وتحتل الصدارة في أركان البلاغة ، التشبيه والاستعارة جزءان من المجاز : وتأسيسا على ما سبق ؛ فإن ما يقال عن المجاز في تعبيره الموحي بالمعاني الجديدة ، وتركيزه على استكناه الصور الإبداعية ، ينطبق على
--> ( 1 ) المصدر نفسه : 1 / 63 . ( 2 ) ظ : كتابنا : الصورة الفنية في المثل القرآني : 153 .